Show-Runner
الظواهر الترفيهية السعودية
رؤيتنا للإنتاج الدرامي من خلال نظام المُنتِج الفني
الـshowrunner أو المنتِج الفني أو الـ executive producer كلها مسميات لوظيفة واحدة نسمع عنها في عالمنا العربي ولكننا لا ندرك حقيقة وطبيعة دورها، لأننا بشكل عام في الدراما اتبعنا نفس نموذج الإنتاج السينمائي؛ حيث أن هناك رؤية لمخرج يدير بها العملية الفنية وهناك ممول أو منتج يقوم بمتابعة الإنفاق على العمل ليتأكد أنه لم يخرج عن الميزانية الموضوعة. في هذا النموذج السائد في عالم الإنتاج الدرامي يقوم المخرج بكل شيء من أول مراجعة النص واختيار الممثلين وفريق العمل والشكل الفني للنواحي الجمالية مثل الديكور والملابس والمونتاج والموسيقى…إلخ.
وهذا النموذج يمكن الإعتماد عليه في الإنتاج السينمائي لأن الفيلم السينمائي في الغالب رؤية مخرج يقتنع بها منتج فيقوم بتوفير التمويل ليحول رؤيته تلك إلى عمل فني.
ولكن في الإنتاج الدرامي الأمر مختلف، لأن العملية الإنتاجية تبدأ من المنتج الذي يسوق للقنوات التي تُكلف المنتجين بتنفيذ الأعمال الدرامية ولا تتعامل مع المخرجين مباشرة.
هذا الإختلاف في نموذج العملية الإنتاجية جعل الدول المختلفة تخلق نظام يعتمد على صاحب فكرة العمل والذي يتعامل مع شركة الإنتاج التي تتعامل مع المحطات والشبكات.
فالـshowrunner أو المُنتِج الفني أو الـ executive producer هي وظيفة صاحب الفكرة أو الرؤية الفنية للقصة وكيف يتم تقديمها وهو كذلك من يتولى الجانب الإنتاجي لهذا العمل من ناحية توفير التمويل أو القناة المنتجة.
لا يجب بالضرورة أن يكون المنتج الفني أو الـShowrunner كاتب يكتب النص ولكن عليه أن يكون قادر على تجهيز الفكرة والرؤية للعمل وإعدادها في شكل مكتوب واضح، سواء كتبها بنفسه أو اشرف على كتابتها. فهو في الأساس صاحب الفكرة والرؤية التفصيلية للعمل.
تطور النموذج بمرور الوقت و رسخ لفكرة العمل المتكامل الذي لا يعتمد على الأشخاص ولكن على رؤية العمل التي يمكن لأي شخص أن ينفذها أو يكملها طالما هذه الرؤية واضحة للجميع ولا يقف العمل على شخص واحد…
وجود رؤية عامة يتم اتباعها وخطوط للقصة يتم تحديدها يساعد كتابة السيناريو أن تكون أكثر غنى لأنها تأخذ مراحل للمراجعة والإضافة مع اتاحة مساهمات متعددة وليس كتابة شخص واحد.
كذلك حين يكون صاحب الفكرة مُلماً بجوانب الإنتاج حين يصيغ رؤية العمل تصبح رؤية العمل أكثر واقعية وقابلية للتنفيذ.
حين يضع المُنتِج الفني (Showrunner) فكرة ويطورها وهو يعرف جوانب الإنتاج وطبيعته وحدوده يستطيع أن يخلق تصور للقصة يتناسب مع الميزانية المتوقعة للعمل، وهذه نقطة مهمة جداً…
لأن ما يحدث في عالمنا العربي أنه في الغالب يكون النص قوي على الورق ثم يأخذه منتج يحاول تنفيذه فيكتشف أن الميزانية لا تناسب المبلغ المحدد من القناة أو المتعارف عليه فيقوم بالاقتطاع من النص ليستطيع تنفيذ العمل والتزاماته، وتكون النتيجة أن يتشوه العمل.
في حين أنه عندما يضع الفكرة ويطورها من يعرف الحدود الإنتاجية سيستطيع أن يكتب في هذه الحدود، فيخرج النص متسقاً وغير مشوه لتجنبه الصراع التقليدي بين من يكتب وبين من ينتج.
في هذا النظام يستطيع من يضع التصور للقصة أن يخلق التوازن بين عنصرين مهمين للعمل؛ التسويق للجمهور وخلق عمل إبداعي فني.
لهذا فالمنتِج الفني يستطيع يكون أكثر اهتماماً بالجانب التسويقي للعمل، فيخلق قصة تجذب المشاهد وتناسب ما يتوقعه ويريده، وفي نفس الوقت لأنه ليس مجرد منتِج بل مبدع لديه رؤية فنية فإنه يدرك الناحية الفنية الجمالية التي تجعل للعمل قيمة وليس مجرد شيء تقليدي لا يهتم بالنواحي الفنية الجذابة…
بالتالي، الصراع التقليدي بين ما يريده المشاهدين وبين ما يريده الفن يمكن تفاديه من خلال تطوير فكرة تراعي التوازن بين الجانبين، فلا تغرق في الاهتمام بجانب دون الآخر؛ فعمل يهتم بالمشاهد وما يريده فقط سيكون ضعيف فنياً وفي المقابل إن اهتم بالجانب الفني فقط دون اهتمام بما يريده المشاهد سيكون عمل له جمهور محدود ولا يحقق النجاح الجماهيري والمادي الذي يسمح بالاستمرار في تقديم أعمال درامية متميزة…
الإجابة على سؤال كيف تنتج عملاً يلقى قبولاً جماهيرياً وفنياً تكمن في جانب كبير منها في أن من يطور الفكرة والقصة والمعالجة للمسلسل هو شخص لديه رؤية محايدة ويفهم متطلبات الإنتاج ومتطلبات الإخراج.
هذا النموذج طبقناه على جميع أعمالنا؛ أن نخلق العمل كقصة ومعالجة، بتطوير الشخصيات وشكل الحلقات وأحداث كل حلقة ووضع ما يشبه سيناريو مبدئي يكون هو الأساس الذي سيتعامل معه بقية فريق العمل بعد استيفاء النقاط الأساسية فنياً وانتاجياً.
هذا الملف الأساسي هو ما يطلق عليه بالإنجليزية البايبل (الكتاب المقدس) للعمل أو ما يمكن ترجمته لملف التطوير. هذا الملف يحتوي على:
- الفكرة العامة للمسلسل
- الشخصيات الأساسية ووصفها جسدياً ونفسياً واجتماعياً
- العوالم أو الأماكن التي تدور فيها الحلقات
- شرح للقصة بشكل عام
- تقسيم الحلقات بشكل مبدئي على أحداث هذه القصة.
- المعالجة التفصيلية لكل الحلقات بتقسيم مبدئي للمَشاهد
هذا الملف حين يقرأه أي شخص سيشارك في العمل بدءاً من المخرج ومروراً بمهندس الديكور ومدير التصوير والممثلين وغيرهم من العاملين في المسلسل سيكون لدى الجميع نفس الفكرة والفهم والتصور.
قد يظن البعض أن هذه الخطوة تحد من إبداع الآخرين الذين قد يكون لهم أفكار أكثر إبداعية من تلك التي توصّل لها المُنتِج الفني، ولكن في الحقيقة أن هناك فرق بين عملية الإبداع وبين عملية طرح أفكار مغايرة عن الذي نريد تصويره؛ التحديد يساعد على التركيز، فبدلاً من أن يفكر كاتب السيناريو في خط درامي مختلف عما هو مكتوب يستطيع أن يوجه طاقته الإبداعية لتطوير ما هو موجود وتقديم طرق مختلفة لصياغته.
ونفس الشيء بالنسبة للمخرج الذي يختاره المُنتِج الفني لإخراج العمل؛ فليس مطلوباً منه خلق عمل مغاير أو تغيير الفكرة ووضع فكرة جديدة ولكن مطلوب منه أن يطور الفكرة الموجودة ويبحث عن وسائل إبداعية تستطيع إبراز الفكرة في شكل جديد ومغاير ومتميز.
يسهل توحيد الرؤية الإنتاجية للعمل من خلال ملف التطوير العمل وينظمه بين الأطراف المختلفة التي تأتي لتعمل مع بعضها البعض لأول مرة، فدور المنتج الفني هو اختيار فريق العمل، لذا باستخدام ملف التطوير الموحد يساعد على خلق التآلف بين الأطراف الإبداعية المختلفة التي تشارك في المشروع.
وهذا الذي يجعلك ترى في المسلسلات العالمية وجود مخرج مختلف لكل حلقة في المسلسل الواحد، لأن هناك مرجع موحد للجميع يتعاملون معه. وهنا تكمن أهمية هذا النموذج لتطوير صناعة الدراما في السوق السعودي حيث تجسدت رؤيتنا وتجربتنا في أعمالنا وصولاً لوساوس.
إذا وضعنا في الإعتبار الطلب الحالي والمتوقع لأعمال درامية سعودية بمستوى مرتفع فإن العرض من المنتجين المحليين لا يزال ضعيفاً بسبب نقص الكوادر، وفي تحليلنا هذا النقص نابع من أن العملية الإنتاجية تعتمد على النموذج السائد في الدول العربية الرائدة في الإنتاج الدرامي مثل مصر وسوريا ولبنان والأردن. والنتيجة أن القنوات والمنتجين يلجأوا للاستعانة بكوادر غير محلية لتلبية الطلب المتزايد وعدم وجود الكوادر المؤهلة.
وهذا وفقاً لرؤيتنا لن يؤدي لنمو صناعة الإنتاج المحلية لأنه يُكرس لنموذج يهتم بكم الأعمال التي يتم إنتاجها بغض النظر عن الكيفية التي يُنتِج بها، فهو لا يهتم بتطوير الصناعة قدر اهتمامه بتوافر مُنتَج اسمه مسلسل سعودي بدون تركيز على وجود عناصر عمل سعودية فيه.
وحين قمنا بتحليل الوضع الراهن والمستقبلي اكتشفنا أن نموذج الـ Showrunner أو المنتِج الفني في الإنتاج الدرامي هو أنسب نموذج لتلبية الطلب بتنمية العرض بالاستعانة بكوادر محلية.
رؤيتنا المستقبلية تعتمد على دعم صناعة الإنتاج في المملكة العربية السعودية بالاعتماد على هذا النموذج.
على سبيل المثال، هذا النموذج له القدرة على فتح آفاق واسعة لمخرجين أكثر للتعرض لأعمال مختلفة مما يقوي خبراتهم؛ فبدلاً من أن يكون لدينا ثلاث أو أربع مخرجين هم الذين لديهم خبرة وتثق بهم القنوات وفي المقابل يتم الاستعانة بمخرجين من خارج المملكة لتغطية النقص الموجود في كادر الإخراج، سيتيح هذا النموذج الفرصة لدعم المخرجين الشباب، قليلي الخبرة الدرامية، الذين لم تتح لهم الفرصة أو لن تتاح لهم الفرصة لأنه لا يوجد من يثق في أن يكلفهم بالعمل على مسلسل كامل.
فالمخرج الشاب من خلال هذا النموذج يعمل في منظومة يوفرها له المُنتِج الفني والتي تمكنه من إخراج حلقة أو حلقتين وبالتالي لا يوجد ضغط نفسي عليه لإخراج ثلاثين حلقة كما هو معتاد، ويمثل الُمنتِج الفني الضمانة للقنوات التي تبحث فقط عن الأسماء اللامعة والمعروفة لتستثمر فيها. فوجود مُنتِج فني قوي له أعمال سابقة تعتمد على هذا النموذج هو الذي يفتح الباب للمخرجين الشباب لدخول مجال الإنتاج الدرامي بشكل متوازن متدرج لأنهم يعملون من خلال رؤية واضحة توفر لهم أساسيات إنتاجية تضمن النجاح بإذن الله.
وما يقال على المخرج ينطبق على جميع من يعمل في صناعة الإنتاج الدرامي؛ ككُتاب السيناريو الشباب الذين لا تلتفت القنوات لأفكارهم أو معالجاتهم الدرامية لأنها لا تريد أن تغامر مع ورق قد يكون جيداً ولكن لا يوجد من يتبناه لينتجه. الآن من خلال هذا النظام ليس على الكاتب الشاب أن يتعامل مع القناة، لأن هناك مُنتِج فني طور الفكرة ووضع أبعادها ومعالجتها ويحتاج لكُتاب يعملون معه لتحويل ملف التطوير لنص درامي قابل للتنفيذ. كذلك يتم تطوير ورش كتابة تسمح لعدد أكبر من الكتاب أن يشاركوا في عمل واحد وليس كما كان سابقاً شخص واحد يكتب كل شيء.
ونفس الشيء بالنسبة لمهندس الديكور والملحن المصور والمونتير ومصمم الملابس…إلخ
حين تكون هناك رؤية واضحة تدير العمل فنياً وإنتاجياً يستطيع العمل أن يتحمل تجربة وجوه جديدة ومواهب شابة تبحث عن فرصة في سوق العمل.
بمرور الوقت يمكن أن يصبح لدينا صناعة إنتاجية في المجتمع قادرة على إنتاج أعمال أصلية تنتمي للمجتمع في كل مراحلها وليس فقط بإسمها ووصفها، وهذا يحقق بشكل مباشر أهدافنا الأساسية كشركة إنتاج درامي سعودية تهدف إلى إنتاج أعمال درامية ذات مستوى عالي وفي نفس الوقت تدريب وتأهيل كوادر سعودية لتقوم بهذا العمل بما يساعد على خلق صناعية إنتاجية في المجتمع.